Wednesday, April 17, 2019

يحتوي المتحف على حجرةٍ تحاكي غرفة نومٍ دينيس دارفال، موظفة المصرف التي اسْتُخْدِمَ قلبها

لكن الأمر الأكثر لفتاً للنظر هو هذه العبارة المكتوبة والمحفوظة بعناية في واجهة جدارية، والتي تعود لوالد الفتاة. وتوثق رده على الأطباء الذين طلبوا منه - بعد بضع ساعاتٍ من فقده لزوجته وابنته - الإذن بزرع قلب دينيس في صدر لويس فاشكانسكي، المريض بشدة والبالغ من العمر 54 عاماً؛ إذ قال وقتذاك: "حسنا أيها الطبيب، إذا عجزت عن إنقاذ ابنتي، فلتحاول ولتنقذ حياة هذا الرجل".
أما الرجل المذكور أعلاه فهو لويس فاشكانسكي؛ الذي نراه - في شكل دميةٍ شبيهةٍ بتلك التي تُعرض عليها الأزياء - مستلقياً على فراشٍ طبيٍ في غرفةٍ أخرى، فقد دخل إلى المستشفى، دون أملٍ كبير في القدرة على علاجه من قصورٍ في القلب آخذٍ في التفاقم.
وإذا تأملت بإمعان نسخاً من السجلات الطبية التي تتبع تطور حالة فاشكانسكي والموضوعة فوق الفراش، ستجد ملحوظةً خطها طبيبٌ على عجل تقول: " لا توجد أي جراحة يمكن أن تساعده. فلندع الطبيعة تأخذ مجراها".
لكن برنارد لم يتفق مع هذا الرأي. وبوسعك أن تتلمس مدى طموح هذا الجراح الشاب وقتذاك، عبر تأمل تفاصيل مكتبه، الذي صُمِمَت إحدى غرف المتحف على شاكلته. فعلى الجدران، وُضِعَتْ لوحاتٌ تتبع مسيرته منذ بدايته المتواضعة كنجلٍ راعي أبرشية في بلدةٍ شبه صحراويةٍ بجنوب أفريقيا، مروراً بفترةٍ مخيبةٍ لآماله قضاها في العمل كممارسٍ عام، ثم تلقيه تدريباً كي يُصبح جراحاً في الولايات المتحدة.
وفي قاعةٍ كبيرةٍ مجاورةٍ، يسبر فيلمٌ وثائقيٌ على مدار 26 دقيقة غور العديد من الجوانب المختلفة لبرنارد وشخصيته، سواءٌ كونه جراحاً لامعاً، أو طبيباً أثار الكثير من الجدل خلال مسيرته المهنية.
ويشكل كل ما سبق مقدمةً لغرفتيْ العمليات اللتين شهدتا عملية الزرع التاريخية للقلب في الساعات الأولى من يوم الثالث من ديسمبر/كانون الأول 1967. أولاهما هي "2 أيه" التي كان فاشكانسكي يتمدد فيها على طاولة جراحة مُنتظراً نقل القلب له، والثانية "2 بي" التي تمددت فيها دينيس بانتظار الاستعانة بقلبها لأداء هذه المهمة.
ويقول يوبارت إنه عَمِلَ على أن يُصمم المكان على شاكلةٍ تحاكي بدقة ما كان يبدو عليه كل شيء ليلة الجراحة، مضيفا: "لقد كنت مهووساً بذلك". ولحسن الحظ، أثبت النظام البيروقراطي الخاص بقطاع الصحة العامة بجنوب أفريقيا فائدته في هذا الشأن.
فبحسب ما يتذكر يوبارت: "اتسمت عملية التوثيق المتبعة في مستشفى غروت شور بالدقة الشديدة. لذا كانت كل الأرقام المتسلسلة الخاصة بجميع المعدات التي كانت موجودةً في غرفتيْ العمليات في ليلة الجراحة، متوفرة".
لكن تبين أن عملية استعادة كل هذه المعدات وإعادتها إلى حيث كانت، لم تكن دوماً باليسيرة. فطاولة العمليات التي كانت تتمدد عليها دينيس في الغرفة "2 بي" كانت قد مُنِحَت هبةً إلى مستشفى في ناميبيا.
ويقول يوبارت إنه أجرى اتصالاً هاتفياً مع مدير ذلك المستشفى، وشرح له أنه يريد استعادة الطاولة "لأنها جزءٌ من التاريخ؛ تاريخ جنوب أفريقيا"، وهو ما أدى إلى إعادتها إلى كيب تاون.
الأمر نفسه انطبق على مصابيح الإضاءة الخاصة بالغرفة "2 بي"، التي اقتفى يوبارت أثرها ليكتشف أنها بيعت إلى مستشفى بيطريٍ في المدينة، ومن ثم أقنع مالكيها الجدد بإعادتها إلى مكانها الأصلي، لتُعرض في المتحف.
وتضفي الاستعانة بتلك القطع والمتعلقات والمعدات الأصلية طابعاً أصيلاً مؤكداً على المتحف.
ففي الغرفة "2 أيه"، ستجد الجهاز الذي يؤدي وظائف القلب والرئتين خلال العمليات الجراحية - والذي أدى استخدامه للإبقاء على حياة فاشكانسكي خلال عملية الزرع. كما ستصادف جهاز القياس، الذي اسْتُخْدِمَ للتعرف على مقدار الدم النازف. وكان الجهاز قد عُثِرَ عليه في مخزن المستشفى قبل أن يُستعان به ضمن مقتنيات المتحف، ويُوضع في غرفة التمريض الخاصة بالغرفة "2 أيه".
أما في الغرفة التي أُعيد تصميمها على شاكلة مكتب بارنارد، فستجد دميةً تمثله جالسةً وراء مكتبٍ كان يستخدمه بالفعل في غرفته بجامعة كيب تاون. وعلى رف الموقد، سترى الحقيبة الجلدية العتيقة الخاصة بالأطباء، والتي استخدمها ذلك الرجل خلال فترة عمله ممارساً عاماً.
وفي الردهة الواقعة بجوار غرفتيْ العمليات، ستجد واجهات عرضٍ زجاجيةً تغص بالنسخ الأصلية من الرسائل والبرقيات التي انهالت على المستشفى من مختلف أرجاء المعمورة، فور ذيوع النبأ الخاص بإجراء الجراحة. من بين هذه الرسائل، واحدةٌ جاءت من شومواي مُهنئاً برنارد، ومُوجهاً له نصيحةً - لم يكن مُرحباً بها بالتأكيد - بشأن كيفية العناية بـ "فاشكانسكي" في فترة ما بعد الجراحة.
لكن المفارقة أن الخطابات والبرقيات لم تحفل بعبارات التهنئة والإشادة وحدها؛ فـ "ماري باور سلاتري" كتبت من شيكاغو موجهةً حديثها إلى برنارد بالقول: "إلى جزار مستشفى غروت شور". أما إس بيشَل من فيرجينيا فقال "كلكم مجموعة من الغيلان دون استثناء".
بيد أنه وسط زحمة ما يضمه هذا المتحف من مقتنيات، قد تغفل عن رؤية أهم وأبرز ما يحتويه، وهي واجهة عرضٍ زجاجيةٍ موضوعةٍ على أحد جدران الغرفة "2 بي"، تضم مكعبان زجاجيان ممتلئان بمادة الفورمالدهيد المُستخدمة لحفظ غرضيْن مهميْن. أولهما - على اليسار - القلب المريض الذي عانى من قصورٍ شديدٍ أورث صاحبه لويس فاشكانسكي المرض. وعلى اليمين، قلب دينيس دارفال الذي جلبت زراعته الشهرة لبرنارد.
وعلى الرغم من أن فاشكانسكي لم يبق على قيد الحياة سوى 18 يوماً فقط بعد الجراحة، إذ فارق الحياة جراء التهابٍ رئويٍ مزدوجٍ، فإن قلب دارفال ظل - وحتى اللحظة التي لفظ فيها هذا الرجل أنفاسه الأخيرة - يدق بقوة في صدر إنسانٍ آخر.