Tuesday, October 15, 2019

ينزع الآباء والأمهات ذوو الدخول الأعلى إلى استخدام عبارات أطول ومفردات أكثر

بالعودة إلى الدراسة التي أجراها ريزلي وهارت، سنجد أنه بالرغم من أنها لم تكن نموذجية بالمعايير العلمية، فإن الفكرة التي وردت فيها بشأن وجود فجوة كبيرة على صعيد التحصيل اللغوي للأطفال تبعا لاختلاف أسرهم في المستوى الاجتماعي والاقتصادي، تكررت في عشرات الدراسات الأخرى. من بينها مثلا دراسة أُجريت عام 2008، وأظهرت أن أنماط المحادثات تختلف بشكل كبير، بين الأسر الفقيرة ونظيرتها ذات الدخل الأعلى، وهو ما يعود جزئيا إلى تباين مستوى التعليم، الذي يتمكن أرباب هذه العائلات من تحصيله.
وقال الباحثون القائمون على هذه الدراسة إن ذلك يعني أن "مستوى معرفة الوالدين" يسهم إيجابا في تنمية وتحسين الحصيلة اللغوية لدى أبنائهم. وأوضحت الدراسة أن الآباء ذوي الدخول الأعلى، استخدموا عبارات أطول ومفردات أكثر عددا وثراء مقارنة بأترابهم الأقل دخلا.
وهكذا فإذا كان هناك أي ارتباط بين الوضع الاجتماعي والاقتصادي من جهة والقدرات اللفظية واللغوية من جهة أخرى، فقد يكون السبب في ذلك هو ذاك الارتباط القائم بين الفقر وانخفاض المستوى التعليمي والشعور بقدر أكبر من التوتر، وهما عنصران يؤثر وجودهما على مدى "جودة المحادثات" التي تدور بين الآباء والأبناء.
لكن الوضع الاجتماعي والاقتصادي، لا يشكل العنصر الحاسم في هذا الشأن. ففي دراسة أُجريت عام 2015، فحصت هيرش-باسيك وزملاؤها المفردات التي يستخدمها 60 طفلا في الثانية من العمر، ينتمون جميعا لأسر ذات دخل منخفض. وبعد عام واحد، عاد الباحثون للنظر في الكيفية التي تطور بها هؤلاء الأطفال على صعيد الكلام الذي يرددونه. وكما كان متوقعا، تبين أن الأطفال الذين شاركوا في عدد أكبر من المحادثات وهم في الثانية من العمر، اكتسبوا لغة أكثر ثراء بعد ذلك بعام، والعكس صحيح.
وتكمن أهمية هذه الدراسة في أن نتائجها كشفت عن أن الفقر لا يمثل وحده العامل الذي يجعل الطفل عرضة للمعاناة من تدني القدرات اللغوية، في ضوء أن أفراد العينة فيها، كانوا كلهم من أطفال الأسر ذات الدخل المنخفض.
وتقول هيرش-باسيك في هذا الصدد: "لا تقتصر العوامل التي تصنع فارقا (على صعيد القدرات اللغوية) على ما إذا كان المرء قد وُلِدَ في بيئة محدودة الموارد أم لا، لكنه يرتبط كذلك بكيفية تفاعله مع طفله في إطار تلك البيئة نفسها".
ورغم أنه يمكن لأن تكون لـ "فجوة المفردات" التي نتحدث عنها، تَبِعات مستمرة ودائمة على قدرات الأطفال، فإن الأمر المُبشر هنا يتمثل في أن كل الآباء والأمهات يتحدثون لأطفالهم لفترة ما من الوقت على الأقل. لذا فإذا أدرك الوالدان أن "جودة هذه التفاعلات" أهم من طولها أو مرات تكرارها، فإن ذلك قد يفيد الأطفال جميعا.
وتضيف أنه كلما زادت "التجارب الاجتماعية" التي ينخرط فيها هؤلاء الأطفال، سواء مع الوالدين أو مع الأشخاص الذين يعتنون بهم، زاد قدر ما سيكتسبونه من تعليم.
ولا شك في أن هناك طرقا تساعد على إسراع وتيرة عملية التعلم هذه في مختلف مراحلها، مثل توفير دورات تدريبية للآباء والأمهات مثلا. ورغم فاعلية هذا الأسلوب، فهو مكلف ويتطلب الكثير من الوقت. ولحسن الحظ، أن لدينا سبلا أخرى تتصف بالبساطة وأثبتت نجاحها، يمكن اللجوء إليها. وتساعد هذه السبل على إجراء عدد أكبر من المحادثات المجدية والمفيدة بين الآباء والأبناء.
وفي هذا السياق، وجدت هيرش-باسيك وزملاؤها أن وضع ملصقات ولافتات تحفيزية في متاجر مُقامة في بيئات محدودة الموارد في بعض من أفقر أحياء فيلادلفيا، أدى إلى زيادة عدد المحادثات الجادة والهادفة التي تدور هناك بين الأطفال وآبائهم وأمهاتهم بنسبة تصل إلى 33 في المئة. ويمكن أن تكون تلك الوسائل التحفيزية شديدة البساطة، إلى حد أن تصبح في صورة ملصقات ملونة، تحمل أسئلة من قبيل "من أن يأتي الحليب؟" و"ما هو النوع المفضل لك من الخضروات؟".
بجانب ذلك، زرت مناطق مختلفة من فيلادلفيا، تُجرّب فيها هيرش-باسيك وفريقها نهجا مختلفا في هذا الصدد يعتمد على استخدام الألعاب لتشجيع بعض الجوانب المهمة لعملية التعلم، سواء الاجتماعي أو المعرفي. وقد حرص الباحثون على وضع هذه الألعاب في مناطق يتجمع فيها الناس من الأصل، في شكل مجموعات. وعلى الرغم من أن هذه الوسيلة وُجِهتْ للأطفال، فقد كانت ممتعة بشكل لافت أيضا بالنسبة لنا كبالغين.
وتضمن هذا المشروع التعاون مع المهندسين المعماريين والسلطات المحلية في بعض المدن لـ "تحويل الأماكن التي يرتادها الناس يوميا إلى بقاع تسنح لهم فيها فرص للتعلم". وأظهرت عمليات متابعة عن كثب أجراها باحثون لتلك الأنشطة، أن بعضا منها ساعد على زيادة عدد المحادثات والنقاشات بين البالغين والصغار، بنسبة تتراوح ما بين 30 و55 في المئة.
وتقول هيرش-باسيك إن من بين الفوائد الإضافية لجهود مثل هذه، أن "تحويل تلك البيئات إلى أماكن يستمتع المرء بالوجود فيها، يزيد من فرص وضع الآباء والأمهات هواتفهم المحمولة جانبا، وإجرائهم محادثات جادة وهادفة مع أطفالهم".
ويقول الباحثون إنه سيكون من السهل تكرار هذه التجربة في العديد من المناطق الأخرى، إذا توافر ما يكفي من الإرادة.
وقد أطلقت السلطات في المملكة المتحدة برنامجا ذا صلة بذلك عبر شبكة الإنترنت، يتضمن إعلانات تحفيزية بسيطة، تشجع الوالدين على الحديث مع أطفالهما بشكل أكبر. ويستهدف المشروع - الذي يستمر ثلاث سنوات - تشجيع الآباء والأمهات "على الانخراط في أنشطة تشجع التعلم المبكر لأطفالهم، والمساعدة على تجهيزهم للمدرسة وما بعدها" من مراحل.
وفي وقت ندرك فيه جميعا أن ضغوط الحياة اليومية، لا تترك للبعض سوى القليل من الوقت للعب والحديث مع أطفالهم، صار الآن واضحا أن إجراء بعض التعديلات البسيطة الذكية على الطريقة التي نتحدث بها إلى الصغار، وعلى كيفية إنصاتنا لهم أيضا، يمكن أن يؤدي إلى تحسين قدراتهم الدماغية.
وهكذا، فبعد أن تزودت بهذه المعلومات، أصبحت أعكف على التفكير في أنماط النشاط الدماغي الذي يحدث لدى طفلي، وأنا ألاعبه وأحادثه وأخبره ببعض التفاصيل البسيطة المتعلقة بما حدث لي خلال يومي، بل وألقي عليه كذلك بعض الأسئلة لأرى الاستجابات التي ستصدر منه ردا عليها. في أغلب الأحيان، يُحتفى بي بابتسامة تصدر من فمه الخالي من الأسنان. وفي أوقات أخرى، لا تصدر منه أي استجابة من أي نوع.
لكن رغم ذلك، فقد صرت أعلم الآن أنا دماغه ربما تكون الآن في طور التطور والنمو بشكل جيد بسبب محادثات مثل هذه التي أجريها معه، وهو أمر يمكننا أن نلعب جميعا دورا حاسما فيه، سواء كنا آباء أو أمهات، أو أشخاصا يقدمون خدمات الرعاية للأطفال.

No comments:

Post a Comment